أعمدة رأي

حين تفكر الخوارزميات نيابة عن الجماهير

أ.د.عبدالحليم موسى

يُعدّ كتاب عقلية الجماهير للمفكّر الفرنسي غوستاف لوبون من النصوص المؤسسة لفهم السلوك الجمعي، حيث كشف فيه عن تحوّل الإنسان، حين ينخرط في الحشد، من كائن عقلاني ناقد إلى كيان عاطفي منقاد، تحكمه الإيحاءات، وتستثيره الرموز، وتُحرّكه العدوى النفسية أكثر مما تضبطه القناعات الفردية.
إذا كان لوبون قد تأمّل الجماهير في الساحات والميادين، فإنّ جماهير اليوم لم تعد تحتاج إلى فضاءٍ مادي كي تتكوّن؛ لقد أصبحت تُصنع في صمت الشاشات، داخل عوالم رقمية تديرها الخوارزميات لا تُرى، لكنها تفهمنا أكثر مما نفهم أنفسنا؛ وهنا يحضرني مفهوم الخوارزميات بوصفه العقل الخفي الذي يعيد تشكيل الجماهير، ويعيد إنتاج “عقلها الجمعي” بصورة أكثر تعقيدا وخطورة.
في قراءة فلسفية معاصرة، يمكن القول إنّ الخوارزميات لم تُلغِ ما ذهب إليه لوبون، بل عمّقته، فبدل أن تكون “العدوى النفسية” نتيجة احتكاك مباشر، أصبحت اليوم نتاج تدفّق رقمي هائل للمحتوى، حيث تُعيد المنصّات ترتيب العالم أمام أعيننا وفق ما يُثير انفعالاتنا لا وفق ما يُغذّي وعينا، وبالتالي يجب أن يتقاطع تحليل لوبون مع ما يُعرف اليوم بـ فقاعات الترشيح، حيث يُحبس الفرد داخل دائرة من الآراء المتشابهة، فيتوهم أنّها الحقيقة الكاملة، بينما هي في الواقع صدى مكرّر لرغباته.
إنّ الجماهير في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد فقط “سريعة التصديق” كما وصفها لوبون، بل أصبحت “مُبرمجة التصديق”؛ فخوارزميات المنصات الرقمية، التي تُدار في شركات كبرى مثل Meta وGoogle، لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تتنبأ بما سنؤمن به، وتدفعنا تدريجيا نحوه، عبر آلية دقيقة من التعزيز العاطفي المستمر.
وهنا تتجلّى المفارقة المؤلمة التي ترى أن تحوّل الإنسان، الذي كان يخشى الذوبان في الحشد، إلى فردٍ يعيش داخل “حشود مخصّصة” تُصمَّم له خصيصا، فهي تُشبهه وتؤكّد قناعاته، فتُضعف قدرته على الشك، وتُعطّل ملكته النقدية، وكأنّنا أمام نسخة رقمية من “عقلية الجماهير”، لكنها أكثر نعومة، وأشدّ تأثيرا، لأنها لا تُفرض علينا، بل نُقبل عليها طواعية.
ومن زاوية عاطفية، يبدو المشهد وكأنّ الإنسان الحديث قد استبدل ضجيج الساحات بصمت العزلة الرقمية؛ إذ لم يعد يهتف مع الجماهير، بل يضغط زر الإعجاب، يشارك، يُعلّق، دون أن يشعر أنّه جزء من موجةٍ أكبر منه، ومع ذلك، فإنّ الأثر النفسي واحد ويتمثل في ذوبان الفرد في تيارٍ لا يراه، لكنه يوجّهه.
بيد أنّ هذا التشخيص، على قتامة ملامحه، لا يعني الاستسلام، فثمة مسارات فكرية ونفسية يمكن أن تُعيد للإنسان توازنه داخل هذا الفضاء المعقّد، وهنا تتقاطع رؤى عدد من مفكري علم النفس المعاصر والذكاء الاصطناعي، مثل Shoshana Zuboff التي ترى أنّ الإنسان لم يعد مجرد مستخدم، بل أصبح “مادة خام” تُستثمر بياناته لإعادة تشكيل سلوكه؛ بينما يميز Daniel Kahneman بين التفكير السريع العاطفي والتفكير البطيء العقلاني، وهو تمييز يكشف كيف تستهدف الخوارزميات النمط الأول لتعزيز الانفعال.
انطلاقا من هذه الرؤى، يمكن طرح مجموعة من الاستراتيجيات لمواجهة هذا التشكيل الخفي للوعي:
أولا: إعادة تدريب العقل النقدي، عبر تعمّد التعرّض لآراء مختلفة، وكسر العزلة التي تفرضها فقاعات الترشيح، وهو ما يعيد للفرد قدرته على المقارنة والحكم.
ثانيا: إبطاء الاستجابة الانفعالية، وهي فكرة مستمدة من أطروحات كانيمان، حيث إنّ مقاومة التفاعل الفوري (إعجاب، مشاركة، تعليق) تمنح العقل فرصة للانتقال من التفكير السريع إلى التفكير المتأني.
ثالثا: الوعي بالخوارزمية ذاتها، أي إدراك أن ما نراه ليس الواقع، بل نسخة مُفلترة منه، صُمّمت لتعكس ميولنا وتضخّمها.
رابعا: التربية الإعلامية الرقمية، بوصفها ضرورة تربوية وثقافية، لا تقل أهمية عن التعليم التقليدي، حيث يتعلّم الفرد كيف يقرأ المحتوى لا كيف يستهلكه فقط.
إنّ الرهان الحقيقي في هذا العصر لا يكمن في إلغاء الخوارزميات، فهي جزء من تطورنا، بل في إعادة تعريف علاقتنا بها من علاقة انقياد غير واعٍ إلى علاقة استخدام نقدي واعٍ. وفي ختام هذه القراءة، يمكن القول إنّ التحدّي لم يعد في مقاومة الجماهير، بل في إنقاذ الفرد من الذوبان داخلها بشكل غير مرئي. فبين “إيحاء” غوستاف لوبون و”خوارزمية” العصر، يقف الإنسان معلقا بين قلبٍ ينفعل وعقلٍ يُراد له أن ينام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى